فتح الباب وتفحص الشاب مليًا..
-"فستان المدام.. كما طلبته وفي الميعاد"
أزرق رقيق.. بشرائط حريرية.. ينتمي للقرن الماضي..
لكن لم يكن الفستان وحده غريبًا.. حامله كان أغرب منه.. في ثيابه وتسريحة شعره..
كل شيء كان يعقد لسانه من الدهشة.. والشاب مستمر في ابتسامته..
أزرق رقيق.. بشرائط حريرية.. ينتمي للقرن الماضي..
غريبٌ أن الذكريات غير المهمة –التي كانت تعد في وقتها أحداثًا عادية- هي ما تبقى في الذاكرة.. لا يعرف هو نفسه سر بقائها بالداخل بعد خمسين عامًا على مرورها..
أزرق رقيق.. بشرائط حريرية.. ينتمي للقرن الماضي..
تنتفض ذكرى منسية من تحت غبار الأعوام المتراكم.. ذكرى تنتمي بدورها للقرن الماضي...
* * *
شابٌ نضر.. حديث الزواج بشابة أنيقة جميلة.. والحياة حلوة لكن المسئولية صعبة..
على مائدة الفطور.. صوت ارتطام الشوك والسكاكين الفضية.. ثم يأتي صوت زوجته رنانًا :
-" ذهبت بالأمس إلى الخياطة الجديدة.. إنها رائعـة.. سرني تحولي من خياطتي السابقة إليها.. لكنني أتسائل عن سبب خلو المحل من الزبائن عداي.. ثم ألا تجد موقع المحل غريبًا ؟! عند أطراف المدينة في شارعنا القديم.. أذكر أنني وأخي كنا نشكو في صبانا من هدوء ذلك الشارع الشبيه بالمقابر.. وخلوه من أطفال نلعب معهم.. لكننا كنا نتسلى بإصدار الأصوات المرعبة وسماع صداها في الشارع الفارغ.."
تبتسم إذ تروق لها ذكرياتها المضحكة .. ثم تكمل :
-"كنت في زيارة الأسبوع الفائت إلى أبي شفاه الله..." تتنهد في حرقة ثم تكمل "ووجدت المحل.."
ثم تضيء من جديد بسمتها وهي تقول في فرحة طفولية :
-"بالأمس رأيت فستانًا بالغ الجمال عندها يا شوقي.. أزرق شرائطه حريرية.. سيطير عقلك حين تراني فيه.. لكن المرأة قالت أنه واسعٌ علي.. ستقوم باللازم ثم سترسله إلى البيت كيلا أتجشم مشقة العودة إلى هناك.. أليس هذا عملٌ بالغ اللطف..؟"
* * *
عيناه تلمعان.. ينظر للشاب دون أن يراه حقًا..
وفيض الذكريات لم ينتهي بعد..
* * *
تأتي بالروب إلى غرفة المعيشة.. الحيرة والانزعاج يظهران على الوجه الجميل..
-"ماذا هناك ؟"
-"لا أفهم شيئًا.." سكتت قليلًا ثم أردفت :
-"محل الخياطة.. أتذكر ما قلت ؟"
-" نعم.. ماله.. ؟"
حدجتني بنظرة غريبة وقالت :
-"اختفـى..."
-"ماذا ؟!"
-"تأخرت في إرسال الفستان.. فذهبت أستطلع الأمر.. لأجد مكان المحل المضيء المبهرج مخزنًا مغلقًا قديمًا.. والشارع مظلم هاديء ولا حس ولا خبر.."
تنهدتْ بحسرة ونظرتْ إلى الجو العاصف خارج البيت.. صمتا وهما يستمعان إلى صوت دق الأمطار العنيف على النافذة حتى تكاد تنكسر..
لم يجد أحدهما تفسيرًا.. لذا طرقا صامتين..
* * *
ثم انقطعت عنه ومضات الذاكرة.. فقد استنفذت ما تقدر عليه.. ولم يطالبها – وهي العجوز مثله- بما هو أكثر.. ومضى يتأمل الفتى.. والفستان الأزرق ذو الشرائط الحريرية..
أيأخذ الفستان ويشكر الفتى.. أم يطرده شر طردة ويقنع نفسه أنه مقلب سخيف.. أم يغلق الباب ببساطة ويرجع للنوم ؟!
- "لكن صاحبته ماتت يا بني.. كانت ستفرح به كثيرًا.."
خيل للعجوز أن شبح ابتسامة يتلاعب على شفتي الفتى.. لكنه –برغم ذلك- أظهر اندهاشًا وإحراجًا..
- " إنني آسف يا سيدي.."
- "لا عليك.. كلنا سنموت يومًا.."
- "وماذا أفعل بهذا إذن..؟"
- "أرجعه من حيث جئت به.."
- "أأرجعه.. ؟!"
- "نعم...."
شده لحظة صامتًا.. ثم استدار.. ونزل الدرج.. فانتظر العجوز حتى غاب صوت قدميه عن مسمعيه.. ثم أغلق الباب.. وعاد للنوم في الانتظار ساعته التي بدت له الآن أنها تأخرت بحق...








said:


من مصر