ن.أ.الجندي
يا نجوم الليل.. هي في سماكم قمراية.. تسكن المواويل.. ولا تبتسم إلا معايا..
الفستان الأزرق..

فتح الباب وتفحص الشاب مليًا..

 

-"فستان المدام.. كما طلبته وفي الميعاد"

 

أزرق رقيق.. بشرائط حريرية.. ينتمي للقرن الماضي..

 

لكن لم يكن الفستان وحده غريبًا.. حامله كان أغرب منه.. في ثيابه وتسريحة شعره..

 

كل شيء كان يعقد لسانه من الدهشة.. والشاب مستمر في ابتسامته..

 

أزرق رقيق.. بشرائط حريرية.. ينتمي للقرن الماضي..

 

غريبٌ أن الذكريات غير المهمة –التي كانت تعد في وقتها أحداثًا عادية- هي ما تبقى في الذاكرة.. لا يعرف هو نفسه سر بقائها بالداخل بعد خمسين عامًا على مرورها..

 

أزرق رقيق.. بشرائط حريرية.. ينتمي للقرن الماضي..

 

تنتفض ذكرى منسية من تحت غبار الأعوام المتراكم.. ذكرى تنتمي بدورها للقرن الماضي...

 

* * *

 

شابٌ نضر.. حديث الزواج بشابة أنيقة جميلة.. والحياة حلوة لكن المسئولية صعبة..

 

على مائدة الفطور.. صوت ارتطام الشوك والسكاكين الفضية.. ثم يأتي صوت زوجته رنانًا :

 

-" ذهبت بالأمس إلى الخياطة الجديدة.. إنها رائعـة.. سرني تحولي من خياطتي السابقة إليها.. لكنني أتسائل عن سبب خلو المحل من الزبائن عداي.. ثم ألا تجد موقع المحل غريبًا ؟! عند أطراف المدينة في شارعنا القديم.. أذكر أنني وأخي كنا نشكو في صبانا من هدوء ذلك الشارع الشبيه بالمقابر.. وخلوه من أطفال نلعب معهم.. لكننا كنا نتسلى بإصدار الأصوات المرعبة وسماع صداها في الشارع الفارغ.."

 

تبتسم إذ تروق لها ذكرياتها المضحكة .. ثم تكمل :

 

-"كنت في زيارة الأسبوع الفائت إلى أبي شفاه الله..." تتنهد في حرقة ثم تكمل "ووجدت المحل.."

 

ثم تضيء من جديد بسمتها وهي تقول في فرحة طفولية :

 

-"بالأمس رأيت فستانًا بالغ الجمال عندها يا شوقي.. أزرق شرائطه حريرية.. سيطير عقلك حين تراني فيه.. لكن المرأة قالت أنه واسعٌ علي.. ستقوم باللازم ثم سترسله إلى البيت كيلا أتجشم مشقة العودة إلى هناك.. أليس هذا عملٌ بالغ اللطف..؟"

 

* * *

 

عيناه تلمعان.. ينظر للشاب دون أن يراه حقًا..

وفيض الذكريات لم ينتهي بعد..

 

* * *

تأتي بالروب إلى غرفة المعيشة.. الحيرة والانزعاج يظهران على الوجه الجميل..

 

-"ماذا هناك ؟"

-"لا أفهم شيئًا.." سكتت قليلًا ثم أردفت :

-"محل الخياطة.. أتذكر ما قلت ؟"

-" نعم.. ماله.. ؟"

 

حدجتني بنظرة غريبة وقالت :

-"اختفـى..."

-"ماذا ؟!"

-"تأخرت في إرسال الفستان.. فذهبت أستطلع الأمر.. لأجد مكان المحل المضيء المبهرج مخزنًا مغلقًا قديمًا.. والشارع مظلم هاديء ولا حس ولا خبر.."

 

تنهدتْ بحسرة ونظرتْ إلى الجو العاصف خارج البيت.. صمتا وهما يستمعان إلى صوت دق الأمطار العنيف على النافذة حتى تكاد تنكسر..

 

لم يجد أحدهما تفسيرًا.. لذا طرقا صامتين..

 

* * *

 

ثم انقطعت عنه ومضات الذاكرة.. فقد استنفذت ما تقدر عليه.. ولم يطالبها – وهي العجوز مثله- بما هو أكثر.. ومضى يتأمل الفتى.. والفستان الأزرق ذو الشرائط الحريرية..

 

أيأخذ الفستان ويشكر الفتى.. أم يطرده شر طردة ويقنع نفسه أنه مقلب سخيف.. أم يغلق الباب ببساطة ويرجع للنوم ؟!

 

- "لكن صاحبته ماتت يا بني.. كانت ستفرح به كثيرًا.."

 

خيل للعجوز أن شبح ابتسامة يتلاعب على شفتي الفتى.. لكنه –برغم ذلك- أظهر اندهاشًا وإحراجًا..

 

-        " إنني آسف يا سيدي.."

-        "لا عليك.. كلنا سنموت يومًا.."

-        "وماذا أفعل بهذا إذن..؟"

-        "أرجعه من حيث جئت به.."

-        "أأرجعه.. ؟!"

-        "نعم...."

 

شده لحظة صامتًا.. ثم استدار.. ونزل الدرج.. فانتظر العجوز حتى غاب صوت قدميه عن مسمعيه.. ثم أغلق الباب.. وعاد للنوم في الانتظار ساعته التي بدت له الآن أنها تأخرت بحق... 

 



أضف تعليقا

اضيف في 04 فبراير, 2008 02:04 م , من قبل odyssey
من مصر said:

قصة عبقرية أخرى يا نورا..
فكرة رومانسية معتادة..عجوز يتذكر زوجتة الحبيبة التى ماتت..لكن مزج تلك الفكرة بقدر مساوى لفكرة أخرى خيالية غامضة، و هى فكرة الفستان و محل الخياطة صنع مزيجاً جديداًو سردت هذا كله بأسلوب جميل جعلنى أحيا داخل أجواء القصه..

"وعاد للنوم في الانتظار ساعته التي بدت له الآن أنها تأخرت بحق..."

جميل يا نورا

اضيف في 04 فبراير, 2008 02:05 م , من قبل odyssey
من مصر said:

احم..أنا موجه على فكرة!

اضيف في 04 فبراير, 2008 03:46 م , من قبل أحمد منتصر
من مصر said:

مرحبا نورا .

أولا الملاحظات اللغوية:

(أتسائل): أتساءل.
(لم ينتهي): (لم ينتهِ).
(استنفذت): (استنفدت) بمعنى أنهت.
(ثم انقطعت عنه ومضات الذاكرة.. فقد استنفذت ما تقدر عليه.. ولم يطالبها – وهي العجوز مثله- بما هو أكثر.. ومضى يتأمل الفتى.. والفستان الأزرق ذو الشرائط الحريرية..): العب! خدي عندك بقى.
(وهي العجوز مثله): يقال للرجل كبير السن: شيخ. وللمرأة كبيرة السن: عجوز. وذهب الرافعي رحمه الله إلى عدم التفرقة بينهما وهو قول شاذ.
(والفستان ذو..): (ذا).
(في الانتظار): (في انتظار).
ثانيا النقد الشكلي للقصة:
شوفي يا ستي الأسلوب تغلب عليه التقريرية وده مش عيب عامة. لكن جو القصة والفكرة كان عايز تصويرية.
الفكرة فلسفية في نظري. تقليدية. لفيتي ودرتي حواليها أكتر من اللازم في رأيي يعني كنتي ممكن تختصري حجم القصة باختصار حجم المشاهد وتكثيفها بما يتيح للقارىء فرصة للتخيل أكتر وده باستخدام الأسلوب السينمائي. وده أسلوب كتابي طبعا بيخلي القارىء يحس إنه ف فيلم. ربما نتكلم عنه بتفصيل فيما بعد.
العاطفة نتيجة للتقريرية بتاعتك طبعا عبرتي عنها أي كلام. يعني أقدر أقول عبرتي عنها بنسبة واحد من خمسة..لا مؤاخذة!.
طيب إزاي العاطفة نعبر عنها بانسيابية أكتر بالتقريرية؟..أعتقد لا يمكن!. لكن بالتصويري نقدر نقول مثلا الجملة دي بتاعتك: (شده لحظة صامتًا.. ثم استدار.. ونزل الدرج.. فانتظر العجوز حتى غاب صوت قدميه عن مسمعيه.. ثم أغلق الباب.. وعاد للنوم في الانتظار ساعته التي بدت له الآن أنها تأخرت بحق... ).
إلى: (وفي صمتٍ شده طارقا..عيناه تمسحان الأرض بحياء..منسحبا نزل الدرج..وعند عتبة الباب ارتكن الشيخ إلى الجدار مصمخا أذنيه لطقطقة قدمي الفتى حتى غابت..ثم أغلق الباب وعاد للنوم منتظرا ساعته التي قد تأخرت بحق...).
وعموما التقريرية بتبقى نتيجة (معلش أنا قاسي) بتبقى نتيجة نقص المحصول اللغوي من المفردات. والحل هو القراءة بتمعن للناس البلغاء زي المازني والرافعي والعقاد وزكي نجيب محمود والرافعي وطه حسين. وكثرة النظر في المعجم لمعرفة ما استشكل على الواحد. وأنا شخصيا حصيلتي اللغوية زادت للضعف ف شهر واحد لما كنت بعمل بحث عن أجمل الأسماء ومعانيها فمسكت المعجم الوجيز ده من الجلدة للجلدة واستفدت كتير أوي. ممكن إنتي

اضيف في 04 فبراير, 2008 03:48 م , من قبل أحمد منتصر
من مصر said:

ممكن إنتي مثلا تعملي بحث عن المفردات الصعبة ف القرآن ف كشكول كده عندك. أو بحث عن المترادفات وما أكثرها.
الخيال مبني على فكرة واحدة هي روح القصة.

ثالثا النقد الأدبي وهو أمتع جزء في نظري حيث تظهر العبقرية:
بالنسبة للجو النفسي للقصة: واحد مراته ماتت جالها الفستان الأزرق متأخر. ربما عايزه تقولي إن الحاجة الحلوة معرفتش يا عيني تتمتع بيها قبل ما تموت. حاولتي تتكلمي عن الفرص الضائعة ف حياتنا وما أكثرها. ولاحظت ف حوار الزوجة مع زوجها لاحظت إنها اتكلمت كتير أوي وهو ما اتكلمش معاها إلا جملة واحدة بس. طلعت من الحتة ديا إن كتير ناس مبنحسش بقيمتها إلا بعد ما يمشوا.
إيه تاني؟..آه حلوة حكاية إن الفستان جيه ف ميعاده بعد خمسين سنة ديا. الخيال الوحيد ولكنه ذو مفارقة مفعمة بالسخرية. والواد إللي جايبه شكله غريب يمكن قصدك من نفس زمن الفستان؟.
الجو الاجتماعي مش باين ف القصة.
طيب نقدر نقول كده إن العمل جيد جدا.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
اكتب آرائك الحكيمة في الدفتر اظهر الدفتر